السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

804

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً معطوف على قوله « حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ » فقد استوجبوا بمظالمهم من اللّه جزاءين : جزاء دنيوي عام وهو تحريم الطيّبات ، وجزاء أخروي خاص بالكافرين منهم وهو العذاب الأليم . قوله تعالى : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ استثناء واستدراك من أهل الكتاب ، « وَالرَّاسِخُونَ » وما عطف عليه مبتدأ و « يُؤْمِنُونَ » خبره ، وقوله « مِنْهُمْ » متعلق بالراسخون و « مِنْ » فيه تبعيضيّة . والظاهر أن « الْمُؤْمِنُونَ » يشارك « الرَّاسِخُونَ » في تعلق قوله « مِنْهُمْ » به معنى والمعنى : لكن الراسخون في العلم والمؤمنون بالحقيقة من أهل الكتاب يؤمنون بك وبما أنزل من قبلك ، ويؤيده التعليل الآتي في قوله « إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ » الخ ؛ فإن ظاهر الآية كما سيأتي بيان أنهم آمنوا بك لما وجدوا أن نبوتك والوحي الذي أكرمناك به يماثل الوحي الذي جاءهم به الماضون السابقون من أنبياء اللّه : نوح والنبيون من بعده ، والأنبياء من آل إبراهيم ، وآل يعقوب ، وآخرون ممن لم نقصصهم عليك من غير فرق . وهذا المعنى - كما ترى - أنسب بالمؤمنين من أهل الكتاب أن يوصفوا به دون المؤمنين من العرب الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( يس / 6 ) . وقوله « وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ » معطوف على « الرَّاسِخُونَ » ومنصوب على المدح ، ومثله في العطف قوله « وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ » وقوله « وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » مبتدأ خبره قوله « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً » ولو كان قوله « وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ » مرفوعا كما نقل عن مصحف ابن مسعود كان هو ما عطف عليه مبتدأ خبره قوله « أُولئِكَ » . وبالجملة قوله « لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » استثناء من أهل الكتاب من حيث لازم سؤالهم